السيد هادي الخسروشاهي

133

قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة

أمور العقائد وأصول الدين التي يدخل بها المرء في ربقة الإيمان ، ويخرج من هذه الربقة حين يخرج عنها ، لا يصلح في هذه أن يترك الناس لعقولهم وأفهامهم وظنونهم ، فلذلك بيّنها بياناً واضحاً ، وجعلها من بين أمور الدين وأحكامه ، حرماً مقدّساً ، لا يجوز أن تختلف فيها الأنظار ، ولا أن تكون مجالًا لتعدّد الآراء ، وهدفاً لجدال المتجادلين ، ذلك بأنّها حقائق أخبرنا اللَّه تعالى بها ، وأوجب علينا أن نعتقدها ، ليس من شأنها أن تتغيّر بتغيّر الزمان ، أو تختلف باختلاف المصالح ، أو تتأثّر باجتهاد المجتهدين ، وقد ألحق بهذه الأصول ما شابهها في عدم التأثّر بالأزمان أو الأفهام من حقائق العبادات وصورها - في الجملة - وأصول المعاملات وأنصبة الوارثين ، ونحو ذلك . فكان هذا كلّه رحمة من اللَّه وحكمة ، لأنّه وقى الناس شرّ التفرّق في الأسس والأصول ، ورسم لهم دائرة محدودة واضحة المعالم ، يعرف من دخلها ومن خرج عنها ، وسما بالحقائق الواقعة عن أن تكون محلّ خلاف أو تنازع ، وألحق بها ما هو في حكمها من رسوم العبادة التي لا يرجع فيها إلّاإلى ما يريده المعبود ، ومن دعائم المعاملة التي يجب في كلّ زمان ومكان أن تكون مرتكزة على أساس سليم من العدل والخلق الكريم . أمّا الفروع التي لايضرّ الاختلاف فيها ، سواء أكانت في الشؤون العملية أم في المسائل النظرية ، فلم يكن يصلح أمر الناس على توحيدها ، والإلزام بصورة معيّنة منها ، ذلك بأنّ اللَّه خلق العقول ، وجعل لها مجالًا في النظر والتفكير ، والموازنة والترجيح ، والاستقراء والتتبّع ، فإذا كانت الفروع كالأصول يقينية لم يبق للعقول مجال ، ولذلك جاءت أكثر أحكام الفقه ظنّية ، وكثر فيها الاختلاف والترجيح ، وأصبحنا نرى في كثير من المسائل الخلافية آراء الفقهاء التي تمثّل جميع الصور المحتملة عقلًا . وأمر آخر هو أنّ صور التصرّفات التي تقع بين الناس ، والقضايا التي تحدث